السياسة في موريتانياالرئيسية

الحوار الوطني بموريتانيا: تحصين الدستور ومناورة المأموريات

قراءة دستورية وسياسية صريحة تفكك خلفيات محاولة إدراج "المأموريات" في الحوار الوطني الموريتاني، وتذكر بصرامة المادة 99 وحتمية التداول السلمي على السلطة.

الحوار الوطني بموريتانيا

حين تقف الأمم على أعتاب حوارٍ يرسم ملامح مستقبلها، يفرض المنطق الدستوري نفسه ابتداءً، فارضًا تمييزًا لا غنى عنه بين ما يدخل في دائرة النقاش السياسي، وما تعمّد المؤسس الدستوري أن يُخرجه من مجال الجدل والتداول. فإذا كان الحوار الوطني هو أسمى تجليات الممارسة الديمقراطية، فإن الدستور يظل المرجعية العليا التي تنتظم في إطارها الحياة العامة. فهو يفتح آفاق الإصلاح، ويتيح مساحات للاجتهاد السياسي، لكنه، في الوقت ذاته، يرسم حدودًا لا يجوز تجاوزها دون المساس بدولة القانون وسيادة الدستور.

فثمّة قضايا يتركها الدستور لإرادة الأمة تتداولها بالحوار، وثمّة مبادئ أخرى ارتقى بها إلى مرتبة الثوابت التي لا تقبل المساومة ولا تكون محل نقاش.

ومن هنا، يبدو من المستغرب، بل ومن المفارقات السياسية، أن تنصرف بعض أحزاب الأغلبية الرئاسية إلى إضعاف مبادرة أعلنها رئيس الجمهورية بنفسه، وقدمها باعتبارها محطة وطنية مفصلية، وفرصة تاريخية لتجديد التوافق الوطني، وترسيخ الوحدة الوطنية، وتعزيز دولة القانون، ومواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تواجه البلاد في ظرف إقليمي ودولي بالغ الدقة.

غير أن بعض الأطراف، بدل أن تسهم في إنجاح هذا المسعى الوطني، اختارت أن تدفع بالحوار إلى مسار آخر، من خلال الإصرار على إدراج موضوع تعلم يقينًا أن الدستور قد حسمه بصورة نهائية.

وحين سُئلت هذه الأطراف عن المقصود بإدراج «المأموريات» ضمن جدول أعمال الحوار، كان السؤال واضحًا وبسيطًا: أيُّ مأموريات تعنون؟ غير أن الجواب ظل غائبًا، وحل محله تكرار مقولة واحدة مفادها أن رئيس الجمهورية أكد أن الحوار سيكون شاملًا، وأنه لن يُستثنى منه أي موضوع.

وهنا يكمن موطن الخلط.

فذلك من قبيل ما عبّرت عنه الحكمة العربية الخالدة بقولها: «حقٌّ أريد به باطل.»

نعم، الحوار الوطني، بطبيعته، حوار جامع لا يقصي أحدًا، غير أن شموليته لا تعني إطلاقًا جواز مناقشة ما أخرجه الدستور صراحة من دائرة المراجعة.

وفي هذا الشأن، لا يترك الدستور الموريتاني مجالًا للبس.

فقد نصت المادتان (28) و(29) بوضوح على أن مدة المأمورية الرئاسية خمس سنوات، قابلة للتجديد مرة واحدة فقط. غير أن المؤسس الدستوري لم يكتف بهذا القيد، بل عمد، من خلال التعديل الدستوري لسنة 2017، إلى تحصينه تحصينًا إضافيًا بإدراج المادة (99)، التي رفعت عددًا من المبادئ إلى مرتبة الأحكام الدستورية غير القابلة للمراجعة.

وتكمن أهمية هذه المادة في أنها لا تقتصر على تنظيم المؤسسات، وإنما تؤسس لما يعرف في الفقه الدستوري بـ«القيود الأبدية على التعديل الدستوري»، أي تلك المبادئ التي تظل بمنأى عن سلطة المراجعة، مهما كانت طبيعة الأغلبية أو حجمها.

ومن بين هذه المبادئ، نصت المادة (99) على حماية مبدأ التداول الديمقراطي على السلطة، وما يتفرع عنه مباشرة من تحديد المأمورية الرئاسية بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.

وبذلك، لم يعد تحديد المأموريات مجرد قاعدة لتنظيم تداول السلطة، وإنما غدا جزءًا من النواة الصلبة للدستور، ومن المقومات الجوهرية التي يقوم عليها النظام الدستوري للدولة، والتي لا يملك أي فاعل سياسي أو مؤسسة دستورية المساس بها.

ويأتي ذلك منسجمًا مع البناء العام للدستور. فكما أن المادة الخامسة تنص على أن «الإسلام دين الشعب والدولة»، بما يجعلها إحدى الركائز المؤسسة لهوية الجمهورية الإسلامية الموريتانية، جاءت المادة (99) لتضيف إلى هذه الركائز مبادئ دستورية أخرى محصنة، هي: وجود الدولة، ووحدة ترابها الوطني، والشكل الجمهوري للمؤسسات، والطابع التعددي للديمقراطية الموريتانية، ومبدأ التداول الديمقراطي على السلطة، وتحديد المأمورية الرئاسية.

وقد نصت المادة (99) صراحة على ما يلي:

«لا يجوز الشروع في أي إجراء يهدف إلى مراجعة الدستور إذا كان من شأنه المساس بوجود الدولة، أو سلامة حوزتها الترابية، أو الشكل الجمهوري للمؤسسات، أو الطابع التعددي للديمقراطية الموريتانية، أو بمبدأ التداول الديمقراطي على السلطة، وكذلك بتحديد مدة المأمورية الرئاسية بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.»

فهذه المبادئ ليست من قبيل الخيارات السياسية المتغيرة، وإنما هي من الثوابت الدستورية التي يقوم عليها بنيان الدولة، والتي أراد لها المؤسس الدستوري أن تبقى بمنأى عن تقلبات السياسة وإرادة الأغلبيات العابرة.

ومن ثم، فإن السعي إلى إدراج مسألة المأموريات الرئاسية ضمن جدول أعمال الحوار الوطني ليس مجرد اقتراح سياسي، بل هو دعوة إلى مناقشة أمر تعمد الدستور نفسه إخراجه من دائرة المراجعة.

وليس الأمر هنا موضع خلاف فقهي، ولا محل اجتهاد دستوري؛ فالنص واضح، وإرادة المؤسس الدستوري أوضح.

إنها، ببساطة، مسألة احترام للدستور، وهو احترام يفرض نفسه على الجميع، وفي مقدمتهم من يتولون إدارة الشأن العام.

ومن هنا، يجدر التذكير بأن رئيس الجمهورية هو الضامن لاحترام الدستور. ومن ثم، فإن أي مبادرة وطنية، مهما اتسمت بالشمول والانفتاح، لا يمكن أن تتجاوز الإطار الدستوري الذي تستمد منه مشروعيتها.

فالحوار الوطني إنما وجد لمعالجة القضايا التي تركها الدستور مفتوحة أمام التداول الديمقراطي، لا ليكون منبرًا لإعادة النقاش فيما حسمه المؤسس الدستوري بصورة نهائية.

فاحترام الدستور لا يقتصر على الالتزام بما يجيزه، بل يمتد أيضًا إلى الامتناع عن الخوض فيما حظر المساس به.

ويبقى، في خاتمة المطاف، سؤال يفرض نفسه بإلحاح:

أليس الإصرار على إثارة مسألة حسمها الدستور بصورة قاطعة محاولةً لتحويل الحوار الوطني عن غاياته الحقيقية، وإغراقه في جدل عقيم لا طائل من ورائه؟ وألا يفسر قطاع واسع من الرأي العام هذا الإصرار باعتباره مناورة ترمي إلى تعطيل مسار الحوار وإرجائه إلى أجل غير معلوم؟

إن موريتانيا اليوم لا تملك رفاهية إهدار الوقت في نقاشات أغلقها الدستور بإرادة صريحة. فهي تواجه تحديات جسامًا تتعلق بتعزيز الوحدة الوطنية، وإصلاح الحكامة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ودفع عجلة التنمية، وصون الأمن والاستقرار، ومواكبة التحولات الجيوسياسية العميقة التي يشهدها العالم.

ويبقى السؤال الجوهري: هل يجوز أن تتحول قضية حسمها الدستور نهائيًا إلى ذريعة لتعطيل الحوار الوحيد القادر على إطلاق الإصلاحات التي تحتاج إليها البلاد، وحمايتها من الانزلاق إلى تلك الأزمات التي عصفت بكثير من دول الإقليم، في عالم تتسارع فيه التحولات وتتعاظم فيه المخاطر؟

نانا محمد لغظف

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Articles similaires