موريتانيا: ضد منطق الاحتجاج… دعوة للاعتراف بجهود الدولة في مواجهة غلاء المعيشة

موريتانيا: ضد منطق الاحتجاج… دعوة للاعتراف بجهود الدولة في مواجهة غلاء المعيشة
في الوقت الذي يدعو فيه بعض فاعلي المعارضة إلى تنظيم مسيرة احتجاجية ضد غلاء المعيشة، تفرض قراءة أخرى للوضع نفسها، قراءة تقوم على التحليل الهادئ وروح المسؤولية. فبعيدًا عن الشعارات والتعبئة، يبرز سؤال جوهري: هل من الحكمة، في ظل أزمة طاقوية عالمية، تغليب منطق الاحتجاج على منطق الاعتراف بالجهود المبذولة؟
يشهد العالم منذ أشهر موجة تضخم متواصلة، تغذيها بالأساس الاضطرابات في أسواق الطاقة. وموريتانيا، شأنها شأن العديد من الدول، لم تكن بمنأى عن هذه التداعيات. غير أن السلطات العمومية، وفي مواجهة هذه التحديات، بادرت إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات الرامية إلى التخفيف من وطأة الأزمة، خاصة على الفئات الأكثر هشاشة.
دعم موجه، تثبيت أسعار بعض المواد الأساسية، جهود لتنظيم الأسواق، ومبادرات اجتماعية متعددة… كلها مؤشرات على إرادة واضحة لاحتواء آثار أزمة ذات طابع خارجي في جوهرها. ورغم أن هذه الإجراءات قد لا تكون كاملة أو خالية من النواقص، فإنها تعكس توجهاً نحو إدارة مسؤولة للأزمة، بعيدًا عن صورة الجمود التي يحاول البعض الترويج لها.
في هذا السياق، يطرح خيار النزول إلى الشارع أكثر من علامة استفهام. هل ينبغي أن تكون الساحة العامة فضاءً للاحتجاج الدائم، بما قد يغذي التوترات الاجتماعية؟ أم يمكن أن تتحول إلى مساحة للتعبير المسؤول، تعترف بالجهود وتقدم نقدًا بناءً ومتوازنًا في الوقت ذاته؟
بصراحة، لو كان لا بد من مسيرة، فالأجدر أن يتغير معناها. فبدل أن تكون منصة للاتهام، يمكن أن تتحول إلى لحظة وطنية للاعتراف، مناسبة للإشادة بالخطوات التي اتخذتها الدولة في مواجهة أزمة عالمية معقدة.
مثل هذا التوجه لا يعني السذاجة أو التبرير، بل يعكس نضجًا سياسيًا وقدرة على تجاوز الانقسامات لصالح المصلحة العامة. فالاعتراف بالجهود لا يلغي حق النقد، بل يضعه في إطاره الصحيح، بما يخدم النقاش العام ويرتقي به.
تمر موريتانيا بمرحلة دقيقة، تتطلب توازنًا في القرار وحكمة في التعاطي مع التحديات. وفي مثل هذه الظروف، تبدو الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي عناصر حاسمة. لذلك، ينبغي أن تُقاس الدعوات إلى التظاهر بميزان آثارها، ليس فقط سياسيًا، بل اقتصاديًا واجتماعيًا أيضًا.
في نهاية المطاف، لا يكمن السؤال الحقيقي في ما إذا كان يجب التظاهر أم لا، بل في المعنى الذي نريد أن نمنحه لهذه التظاهرات: هل هي للتصعيد أم للتقدير؟ للانقسام أم لتعزيز روح المسؤولية الجماعية؟
في عالم تتقاطع فيه الأزمات وتضيق فيه الخيارات، قد يكون رهان موريتانيا الأكبر هو توحيد الجهود بدل تعميق الخلافات. وإذا كان للشارع أن يتكلم، فليكن صوته أيضًا صوت دعم وتشجيع واعتراف، لأن إدارة الأزمات ليست مهمة سهلة، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الدول على الصمود والتوازن.
احمد ولد بتار



